تساؤلات الطفولة

     كان لدي العديد من التساؤلات بيني وبين نفسي في طفولتي ، ولعل تلك التساؤلات تكاد أن تكون موجودة في ذهن كل طفل (لماذا؟-كيف؟-ما السبب؟). لم أجد تفسيرا أو جوابا لها إلا بعد أن بلغت سن الخامسة والعشرون. أما الآن فقد أصبحت أحصل على إجابات تلك التساؤلات.

     دعوني أسرد لكم مثالا قد مررت به في صغري مع والدي -رحمه الله- ؛ كي تتضح الصورة لديكم.

     عندما كنت في سن الخامسة عشرة طلبت من والدي الحصول على هاتف محمول ، وكان عذري للحصول عليه هو الحاجة للاتصال به عندما أخرج مع أصدقائي ، ولكن في واقع الأمر كان الغرض هو اللعب واللهو والتباهي أمام الآخرين. كنت فقط أريد الحصول على ما أريد ولا أدرك ما هي أبعاد الأمر وما الذي يترتب سلبا على ذلك.

     كان والدي يرفض وبشدة كل ما له علاقة بالتكنولوجيا سواء الهاتف المحمول أو توفير خدمة الإنترنت المنزلية أو ما شابه ، وكنت أنتقد ذلك الشيء به.

     يؤسفني القول بأنني كنت أعتقد بأن والدي كان إنسانا رجعيا لا يريد التطور وأنه توقف به الزمن في الحياة والعصور السابقة. على عكس نظرتي له الآن -رحمه الله- أصبحت أعتبره حكيما ذو نظرة ثاقبة ، ومن المحزن والمؤسف أنني أدركت ذلك في وقت متأخر ، ولكن قد تكون هذه هي الحياة وهذه هي طبيعة البشر لا يدركون الأمور إلا بعد أن يمرون بعدة تجارب في الحياة ؛ حيث أن الخبزة لا تكون خبزة إلا بعد أن يضرب الخباز العجينة ويصفعها بكفيه ثم يرميها في التنور. إنه والدي ، فقد ذاق من مرارة هذه الحياة وتجرع منها الكثير. كما أنه لابد لنا أن نتذوق من قساوة ومرارة الحياة حتى ندرك ما يدور حولنا من أحداث ونستنتج منها الكثير والكثير…

     نعيش اليوم في زحمة التكنولوجيا والتطور وليس لدينا القدرة على السيطرة على من حولنا ، فهم منجرفون مع هذا التيار ، بل لا نستطيع السيطرة على أنفسنا أيضا. وفي حقيقة الأمر نحن نملك الكثير من القدرات والطاقات ولكن لا نعرف كيف نوظفها لصالحنا ولصالح هذه الأمة.

      إن ما نعيشه اليوم هو تخبط في التصرفات ونحن نتجه إلى منعطف خطير وذلك ما يريده الغرب. إنهم يريدوننا أن نعيش في غفلة ولا نعلم ما يدور حولنا من أحداث ؛ لكي يتمكنوا من السيطرة علينا والاستفادة من خيرات أراضينا ومواردنا الإقتصادية التي لا نملك غيرها ، فنحن نقوم باستيراد كل حاجياتنا وأغلبية أطعمتنا وسلعنا الاستهلاكية منهم ولا نفكر بصنع ما نحتاجه بأنفسنا ، مع العلم بأننا نملك المادة والطاقات ، ولو تحقق هذا الأمر لما كنا بحاجة لهم ولم نكن معرضين للخطر.

     إن تساؤلات الطفولة في الماضي ولدت لدي الكثير من المعرفة والادراك لما يدور من حولي وسط هذه الأحداث السريعة. ولكن السؤال الذي يدور في ذهني اليوم ، هل توصل جميع العرب والمسلمين الذين بلغوا سن الخامسة والعشرين إلى إجابات على تساؤلاتهم في الطفولة؟. لا أعتقد ذلك ؛ لأنهم لو كانوا كذلك لما كان هذا هو حال الأمة.

فاضل كرم

Advertisements